الرداءُ المُدلهم

سعاد إلزامك

تكالبوا عليها بقيمهم ، تواتروا جميعا لتكبيلها بها ، أنبأوها بقرارهم المحتم و مصيرها الأبدي ، حاولت ردعهم بمستحدثات العصر ، نكثوا إلى رجعيتهم . خرجت من بينهم تنوء بعبء هذا النبأ المتوقع بكل مرارته و قسوته ، لاعنتهم بكلماتها عبر أثير سمموه بتقاليد بالية لم تغيرها أديان و لا حداثة علمية ، نددت بكل الوعود ، شجبت كل المواثيق غير عابئة بتجهم قدرها .
في طريق عودتها صارعتها ثلة من ظنون و قليل من يقين حتى أوشكت على أن تودي بالبقية الباقية من روحها ، تحاجوا من أجل جلد انكسارها ، طافوا سبعاً على جَلَدِها أمام جبروت قومها المعهود . استقلت زورق الصبر ليُقلها عبر بحار الغضب المكبوت بصدرها ، تلقفتها أعاصيره الرافضة لخنوع يأسها ، أغرقتها سيول تحديهم لأحقيتها في حياة نقية ، صارعت أمواج زائفة للهدوء حتى دلفت حجرتها ، قبعت في غياهب الصمت بذلك الركن القصي من المنزل .

حاولت لملمة ذكرياتها المبعثرة لتُحيك منها ذاك الثوب المنشود لتتشح به حين غروب شمسها ، أحصت نجاحاتها القليلة و التي لم تكن كافية لإتمام حياكته ، ضمت إليهم بعض من مواقفها الحيادية و بعض من الحنين لعفوية الطفولة . أنهت أخيرا رداءها ، قذفتها شفافية نسيجه بين أطلال سعادة منشودة و أحلام مفقودة ، ظلت تتطلع إلى تلك المنارة المظلمة خلف غيامات الحاضر ، حدقت بها كثيرا لعلها تتعرف على مصيرها . تجلى لها شبح الاستبداد محلقا بين قرارات محبطة بحياتها حتى في أبسط حقوقها ، برق ضوء خاطف لم تدر مصدره أو كُنهه صرع كبرياءها .
أقبلت لحظات السعادة النادرة ترفل في أصفاد عبوديتها ، ثم أدبرت لاعنة لظروف فُرضت عليها باسم الوفاء ، لم تفلح في القبض على نقاء قلبها لتستعين به في تطعيم ذلك الثوب التعس لإضفاء شيء من البهاء عليه . غالبتها العبرات ، فكرت على مقلتيها أنجمٌ قد خبأت منذ سنوات ، ثم فرت في سكون على حواف الرداء المُدلهم ، فطرزته بشُهب الرحيل الباهتة .



أقبل أبناء العشيرة حاملين مشاعل التخلف يقودهم كاهنهم المعظم ، زفوا إليها موعد رحلة خلودها . تدثرت برداء ذكرياتها ، و توشحت بانكسارها ، نثرت عبق الخنوع على جنى بساتينها الدانية ، غادرت حصنها ، ثم تقدمتهم في موكب مهيب رافعة راية الاستسلام لقدرها . رتلوا تراتيلهم المقدسة ، أطلقوا بخور طقوسهم ، حفروا لحدا واسعا ، زُلزلت الأرض فمادت بها . أسجوا زوجها الراحل داخل اللحد ، كسوا بدنه بأكاليل الغار ، دفعوها بقوة داخل اللحد ، مدوها بقليل من الطعام و كثير من الحُلي ، ثم أهالوا الثرى عليهما ، و قد خطوا نهاية حياة زوجية لم تتعد العامين . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WordPress spam blocked by CleanTalk.
Scroll Up
التخطي إلى شريط الأدوات