المؤامرة على التعليم القرآني لم تبدأ اليوم

لم يكتف أدعياء الإصلاح بالتّآمر على التعليم النّظاميّ لقطع صلاته بعناصر الهوية التي عجز الاستعمار عن اجتثاثها، حتى ولّوا وجوههم شطر التعليم الدينيّ القرآنيّ، ليجعلوه تحت وصايتهم، ويعملوا فيه مباضعهم، على أمل إعلان وفاته إثر عملية جراحية فاشلة!.. أرّقهم أنّ التلاميذ الذين ينضوون في الكتاتيب والمدارس القرآنية التّحضيريّة قبل الالتحاق بالتعليم النظاميّ، يتميّزون عن غيرهم بتفوّقهم اللّغويّ والدّراسيّ وتحلّيهم بمكارم الأخلاق، فأجمعوا أمرهم بأنّه لا بدّ من إبطال مفعولها حتى لا تظلّ حجر عثرة في طريق “الإصلاحات” التي يبشّرون بها.

في أحد لقاءاتها التلفزيونيّة، أماطت الدكتورة المصرية “سهير أحمد السكري”، أخصائية اللغويات في جامعة جورج تاون بواشنطن، اللّثام عن حقيقة المخطّطات التي يجري تنفيذها في عدد من الدّول العربيّة لتحجيم دور التّعليم القرآنيّ، وأكّدت أنّ هذه الإجراءات ليست جديدة، فقد عمل بها الاستعمار الفرنسيّ والاستعمار الإنجليزيّ في القرن الماضي، عندما استولى الإنجليز والفرنسيون على الدولة العثمانية، حيث قاموا بدراسة سبب قوة الفرد المسلم التي جعلت المسلمين يغزون العالم، فوجدوا أنّ الطّفل المسلم من 3 إلى 6 سنوات، يدخل إلى الكُتّاب ويحفظ القرآن، ومن 6 إلى 7 سنوات يدرس ألفية ابن مالك، التي تحتوي كلّ قواعد اللغة العربية، وبذلك يكون قد تعلّم من القرآن 50 ألف كلمة عربية، وألمّ بقواعد اللّغة العربيّة… أدرك الإنجليز والفرنسيون أنّ الكُتّاب هو السّبب، فقرّروا التآمر عليه.. فأمّا فرنسا فقد حاربت التعليم القرآني في مستعمراتها من دون هوادة، وأمّا الإنجليز فإنّهم عرفوا أنّ مهمّتهم في مصر ستكون صعبة، وبدل أن يعلنوا الحرب مباشرة، سعوا لإماتة القرآن وصرف أبناء المسلمين عنه؛ فأنشؤوا مدارس أجنبية لتعليم أبناء الأغنياء تكون بمناهج أضعف من المناهج المعتمدة في إنجلترا، وأنشؤوا مدارس نظامية يلتحق بها أبناء العامّة بدءًا من سنّ 6 سنوات، وبدؤوا يشيعون بين النّاس أنّ التعليم قبل هذه السنّ يعود بأثر سلبيّ على الطفل، وأنّه ينبغي أن يترك ليلهو ويلعب وألا يضمّ إلى أيّ مدرسة.. وقد آتت خطّتهم بعض أكلها، وكانت النتيجة أنّ أبناء المسلمين باتوا يضيّعون أهمّ فترة في حياتهم، يتعلّمون فيها القرآن واللغة، وأصبحوا بدلا من ذلك يتعلّمون لغات عامية ضعيفة لا تتجاوز مفرداتها 3 آلاف كلمة، تؤدّي دورها في الحيلولة بينهم وبين تعلّم اللغة العربيّة الفصيحة بعد ذلك، حيث يرون اللغة العربية، عند الالتحاق بالمدارس، لغة أجنبية عنهم، يجدون صعوبة في تعلّمها، ما يؤدّي بهم إلى كرهها.

هذا الذي عمل عليه البريطانيون والفرنسيون في مستعمراتهم، هو ما يسعى أولياؤهم لتطبيقه في بلدان المسلمين، أين رأينا وسمعنا أصواتا نشازا تندّد بإلحاق الأطفال بالمدارس القرآنية قبل سنّ السّادسة، فلمّا لم تجد آذانا صاغية، راحت تمكر لإحلال التعليم التحضيريّ محل التعليم القرآني بدءًا من سنّ الخامسة.. وبعد تعميم تجربة التعليم التحضيريّ بدءًا من سنّ الخامسة، ربّما يفكّر أدعياء الإصلاح الآن في فرضه بدءًا من سنّ الرّابعة، لقطع الطّريق أمام التحاق الأبناء بالتعليم القرآنيّ، وهو ما يسعى هؤلاء إلى تكريسه بشكل متدرّج وغير علني.

ليس غريبا أن يتداعى دعاة التّغريب لإنجاح هذا المخطّط، ويتطوّع الإعلام المأجور لتبريره والتّغطية عليه، لكنّ الغريب في الأمر أن يذعن لهذا المسعى الخطير بعضٌ ممّن يفترض أنّهم مؤتمنون على دين الأمّة وهويتها، لأجل مناصب زائلة ولعاعة فانية.. أمر مؤسف للغاية أن يقعد الخيّرون من هذه الأمّة عن نصرة ثوابتهم وينشغلوا ليس فقط بملفّات ومواضيع هامشية أخرى، وإنّما أيضا بتنظيم دورات في كرة القدم، يتنافس فيها من يفترض أن يكونوا في الصّفوف الأولى للذّود عن عناصر الهوية، على الرّكض وراء الجلد المنفوخ، ليثبتوا للمنشغلين باجتثاث مقومات المجتمع، بأنّهم متفتّحون ومسالمون ولا تعنيهم قضايا أمّتهم ومجتمعهم!.

القراءة من المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WordPress spam blocked by CleanTalk.
Scroll Up
التخطي إلى شريط الأدوات