سقوط شيشنق

بقلم :فايزة لعمامري

فجأة، وجدنا أنفسنا كجزائريين على شفا حفرة عميقة ومظلمة بفعل فأس سموها “شيشنق”، هذا الذي ازداد حوله الجدل واللغط بين مدافع عنه كشخصية تاريخية ارتبط التقويم الأمازيغي بها، وبين من سماه بالوهم والزيف الذي يجب الاصطفاف جميعا لمحاربة الفاعلين فيه، فمن يقف خلف هذه الآراء المتدافعة، وما هي حقيقة رأس السنة الأمازيغية؟لاشك أن التقاليد تبقى تراثا إنسانيا يُحترم، واحتفالات “يناير” مثال في ذلك، أما الخرافة أو الأسطورة فتبقى إرثا شعبيا له ما له، وعليه ما عليه، ولكن أستاذ التاريخ القديم الباحث الدكتور جمال مسرحي أكد أن “شيشنق” مصري المولد والنشأة والثقافة، في حين أن أصوله تنحدر إلى القبائل الليبية المقيمة في مصر، وقد كان ضابطا في الجيش المصري، ثم حدثت هناك فوضى في هرم السلطة سنة 950 قبل الميلاد، فانتهز الضباط ذلك الوضع للاستيلاء على الحكم، وكان هو أحدهم فتم تعيينه فرعونا، وحكم البلاد كمصري لا علاقة له بالأمازيغ، ولذا فإن حكاية التاريخ 2967 تعود إلى انطلاق حكم “شيشنق” لمصر –انتهى قوله.
لقد قام مِن المصريين مًن بلغه خبر تزييف الحقائق التاريخية هنا بالرد، ولا يمكن لعاقل أن ينفي عنهم هذا الحق، لذا نحن ملزمون أكثر من أي وقت مضى باحتواء هذه المهزلة التي يقف وراءها مناضلوا الحركة البربرية في فرنسا، المهزلة التي اكتفى د.جمال مسرحي بوصفها من جهته بالاجتهاد الذي لا نعلم أهدافه الحقيقية، والذي لا يستند إلى أسس علمية وتاريخية، وقد أضاف أن هؤلاء المناضلين هم أنفسهم من اعتمد التقويم المرتبط بشيشنق في الجزائر سنة 1980 لأسباب وأهداف تخصهم وحدهم –انتهى قوله. إن السؤال غير البريء اطلاقا الذي أعتقد أن القارىء أيضا يطرحه: لماذا إثارة هذه البلبلة في هذا التوقيت الحرج الذي تمر به البلاد؟
بالاستناد إلى المعطيات السابقة يتضح أنه ليس هناك شيء اسمه التقويم الأمازيغي، أما فيما يتعلق بأسماء الشهور عند “الشاوية والقبايل” على حد سواء فقد أكد الباحث د.مسرحي أنها مستوحاة من الشهور الرومانية، في حين أن احتفال يناير وما يقام فيه من طقوس غرضه استجلاب الخصب لموسم فلاحي جديد، وهذه المناسبة محلية ويجب أن تُدْرَس وتُحلّل أنتروبولوجيا. أما عن تاريخ 12 يناير فإن السنة الشمسية المعتمدة حاليا تتكون من 365 يوما، وربع يوم، وزيادة عن ربع يوم ببضع ساعات، لكن تلك الزيادات مع مرور السنوات تصير أياما، وقد أدرك الأباطرة الرومان ذلك، فكانوا يعدلون التقويم كل عدة مئات السنين، وآخر تعديل قام به الإمبراطور “غريغوريوس” سنة 1578، لذلك يسمى هذا التقويم بالتقويم الغريغوري، وإذا جمعنا عدد الأيام التي تم خصمها من السنة منذ اعتماد يوليوس قيصر لهذا التقويم سنة 46 قبل الميلاد، نجد مجموعها 12 يوما، وهي نفس الأيام الزائدة عن السنة العادية فيما يسمى بالسنة الأمازيغية –انتهى قوله.
إننا ننهي إلى علم القائمين على التاريخ في مصر أن الأكادميين الجزائريين يتفقون معهم في هذه المجريات التاريخية، وما يتم الترويج له هو من فعل نشطاء لا يمتون للتاريخ والتراث والعلم بصلة، لهم هدفهم في ذلك. من جهة أخرى ندعو الجهات الرسمية إلى عدم مجاملتنا في التاريخ من أجل احتواء حراك اجتماعي لماطلب أخرى، التاريخ شيء قدسي لا ينبغي أن يطاله العفن السياسي، كما أدعو أمازيغنا الأحرار ّإلى عدم التعامل مع الحقائق التاريخية بالمشاعر العرقية، إنكم أحفاد ابن خلدون وابن بطوطة وأسماء أخرى عريقة عراقة حضارتكم، لستم في حاجة إلى كذبة “شيشنق” التي لفقها أعداء الأمة من أجل مسخ الانتماء وبث الفرقة شُلّت أيديهم، ولعن الله من قال من الأولين أن العرب تكره الأمازيغ، والأمازيغ تكره العرب.

القراءة من المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WordPress spam blocked by CleanTalk.
Scroll Up
التخطي إلى شريط الأدوات