مبدع من ” البدوع”

• البدوع : المنطقة التي ولد فيها المرحوم الدكتور أبو القاسم سعد الله ، وتقع غربي مطار “قمار ” ..
• الإبداع لغة : هو استحداث الشيء على غير مثال سابق فهو بديع ، والفعل أبدع ، أي أتى بالبديع .
• أديب وشاعر ومؤرخ وكاتب ، يجهل تاريخ ميلاده ، تعوّد السّير حافيا على رمال قريته ، فلم يعرف الحذاء إلاّ عند بداية

سفرياته ، ولم يعرف قبل خروجه من “قمار” مسقط رأسه سوى الحياة البائسة ، ولم تكن حياته في غيرها بأحسن منها ، فقد نام في الحمّامات ، وسكن فوق سطوحها ، وضحى من أجل العلم والمعرفة والحقيقة التاريخية ..ولم تنته الصعاب ، والعقبات في رحلاته ، فقد كان أشبه بالبيئة التي ولد وترعرع فيها ، وأول الصعوبات واجهته في جامع
الزيتونة بتونس الشقيقة سنة 1947 م، ونترك إهداءه يتكلم في كتابه “هموم حضارية ” التي استهلها ب: إلى روح الحاج محمد مامّه الياجوري الذي كان لي بتونس عوض الأب في أول غربة ، والذي لولا رعايته لي ماديا طيلة ست سنوات (1948 ــ 1954 )، لما استطعت مواصلة دراستي في جامع الزيتونة المعمور ، إن الله وحده هو القادر على تعويضه على إحسانه ، وإنسانيته ، وحبه للعلم ، رغم أميته ، وعيشه عيش الكفاف على ما تجود به أيدي أهل الخير ، باعتباره قوّاما على شؤون ” جامع القصر ” بحي باب منارة ، رحمه الله “.
المتأمل في شخصيته ومسيرته يدرك بأنه رجل متواضع إلى حد الزهد ، يعرف حدوده جيّدا ، واقعي إلى أبعد ما يمكن تصوّره عقلا وخيالا ، له حب كبير ودفين لمسقط رأسه “البدوع” المنطقة التي ولد وتربى وترعرع فيها هذا المبدع . تقع “البدوع ” غربي مطار قمار .تمرس في الفلاحة التقليدية الصحراوية ، وله ذكريات كثيرة منها السّار ومنها المؤلم والمتعب .
ويقول هو عن نفسه في جريدة الشروق اليومي ، العدد: 2363جويلية 20088م. إذا كنت تزور ” وادي سوف ” لأول مرة على متن الطائرة ستنزل في قمار التي فيها مطار الوادي ، فإذا توقفت محركات الطائرة ، ونزلت إلى اليابسة ، واتجهت نحو قاعة الحقائب حاول أن تلقي نظرة على بعد أقل من كلم ، هل تدري ماذا سترى ؟ إنك سترى “البدوع” (مسقط رأسي ) التي لا يفصلها عن المطار سوى مدرجه ، والسياج الذي يمنع من عبور المدرج .
عاش للحقيقة ، يكره الجدل البيزنطي الفارغ ،يعمل في صمت وهدوء ، بعيدا عن الأضواء ، بعيدا عن الأعين ، يرافع عن هويتنا الحضارية واللغوية والدينية بالأدلة من التاريخ ، ومن الميراث الحضاري ، فأخرج ما كان مغمورا أو أريد له الضمور والنسيان ..يعتبر من الأوائل الذي كتب الشعر الحرّ من الجزائريين ..مؤرخ وقارئ للتاريخ ، فلم يكن مثقفا عاديا ، يبحث عن نفسه ولنفسه ، ولكنه مثقف بأدوات العصر ، يعالج قضايا مصيرية لأمته من أجل هدف واحد ، هو حمايتها من الذوبان ، والدخول في فوضى الأفكار ، والشتات التاريخي ..يوافق بفهم ، ويخالف بإنصاف ، ويرد بأدب ، ويجيب بحكمة وإتيكيت ، ويدعو برفق .
فهو صاحب هم ثقافي يؤمن بالبحث العلمي وقوة الفعل ، وما يتحقق على أرض الواقع ..شاهد حي على العصر ،وما خلقه الصراع بين ما هو من التراث ، وما هو من مخلفات عصر الانحطاط ..يعلم أدق تفاصيل تاريخ الجزائر ..يتقن لغة بلده ، ولغات أقوام أخرى
كالفرنسية والانجليزية والفارسية والألمانية ..
مؤرخ قدم للجزائريين تاريخهم الذي تعوّدوا على استيراده من عدوهم بصورة أنقى وأحلى مما قدم نخيل قمار له ولهم ..اختار غيره الطموح إلى المناصب الإدارية الرسمية السامية ..وفضل هو التفرغ للدراسة والتدريس والبحث والإنتاج الثقافي الحافظ للهوية ..مثلما عزف عن المناصب ورفض أن يكون متسلقا أو وصوليا ، أو انتهازيا ، عزف عن بريق وأضواء الشرق والغرب ، فقد كان بإمكانه أن يختار بلدا عربيا أو غربيا ليكون له موطنا ومسكنا وفضاء أرحب لإنتاجه وفكره لكنه فضل العيش في الجزائر بين أهله وطلابه مدرسا ، أو مناقشا ، أو موجها ..
والخلاصة : فالمرحوم ..الدكتور أبو القاسم سعد الله ، مدرسة في التاريخ ..وقامة من قامات هذا العصر ، فهو يمثل نقلة لها وزنها ، وقد ترك انطباعات حيّة في تفكير ونهج ممن تتلمذوا عليه .ثورة في المنهج التاريخي في الجزائر والعالم العربي وباقي العالم ..
رحمه الله ..وأسكنه الجنة وفردوسها ..

بقلم المفتش الأستاذ محمد نوار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

WordPress spam blocked by CleanTalk.
Scroll Up
التخطي إلى شريط الأدوات